عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
50
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )
وهما البرودة واليبوسة ، فمتى لبست الطبيعة صورة استقصى من الاستقصات لا يمكن خلعها ، ومتى لبست الاستقصات صورة ركن من الأركان لا يمكن خلعها ، ومتى لبست الأركان صورة من صور الموجودات العنصرية لا يمكن خلعها ، فيبقى ذلك الموجود موجودا بعد فناء ظاهره في الطبيعة يشاهدها المكاشف عيانا كما كان يشاهدها الناس في الحس . وهذا الفلك الطبيعي واسع جدا خلق اللّه تعالى فيه الجنة والنار والمحشر والبرزخ وجميع ما في الدنيا وما هو قبل خلق الدنيا مما علمنا وما لا نعلمه من المخلوقات الطبيعية ، وظاهره المحسوس لنا اليوم هو العالم الدنياوي وباطنه الغائب عنا هو العالم الأخراوي ، وقابلية البطون والظهور هو البرزخ وهو عالم الخيال وعالم المثال ، وهو عالم السمسمة ، فنسخة الدنيا منك ظاهرك من الجوارح وغيرها ، ونسخة البرزخ منك خيالك ، ونسخة الآخرة منك العالم الروحي وهو باطنك . وقد شرحنا أمر كونك نسخة للموجودات في كتابنا المسمى ( بقطب العجائب وفلك الغرائب . ) واللّه أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب . المرتبة التاسعة عشر الهيولى من مراتب الوجود ، وهو الهيولى ، وهي حضرة التشكيل والتصوير تتولد هذه الصور منها كما تتولد الأمواج في البحر ، فإذا اقتضت الهيولى صورة من صور الوجود كان حتما على الطبيعة إبرازها في العالم بالقدرة والإرادة الإلهية ، لأن اللّه تعالى جعل اقتضاء الهيولى سببا لإيجاد تلك الصورة كما جعل دعاء المضطر سببا لإجابته تعالى ، فقال تعالى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [ النمل : 62 ] ، فاقتضاء الصورة من الهيولى دعاء لسان الحال لوجود ما اضطرت إلى وجوده وهي الصورة التي تعينت في الهيولى ، وتقدير الحق على الطبيعة بإيجاد تلك الصورة هي الإجابة الإلهية ، فالهيولى بالنسبة إلى الصورة والأشكال كالماء للأشجار يتغير بحسب كل شجرة وثمرتها ، قال اللّه تعالى : يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [ الرعد : 4 ] ، فالماء أصل لجميع النباتات في ذواتها غير متميزة بعضها عن بعض بالفضل والطعم والقدر والقدرة والثمر والحسن والقبح إلى غير ذلك من الأمور التي تتميز بها الأشياء بالفضل بزيادة الحل والقيمة والنفع والطهارة واللطف ، فكما أن النباتات صور للماء كذلك الصور كلها صور حقيقة الهيولى ، وتمامها بتمام الصور وليس للصور آخر فليس لها نهاية ، فهي تحت الطبيعة لأن اقتضاءها إنما هو بحكم الطبيعة ، فافهم .